| رسالة رعوية بمناسبة عيد الغطاس 2010 |
|
فى عيد الغطاس
نتذكر القدرة الإلهية تجاه البشرية
سلام ونعمة لكم جميعاً ، من الرب راعى الرعاة .
أهنئكم يا إخوتى وأبنائى جميعاً ، تهنئة قلبية
بعيد الغطاس المجيد . راجياً لكم ولبلادنا مصر فى هذا العيد ، كل بركة
وسلام وخير .
ولو رجعنا لقراءات عيد الغطاس ، لوجدنا فى
إنجيل عشية هذا العيد ، ما قاله القديس يوحنا المعمدان للفريسيين
والصدوقيين عن الله أنه : (( قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لأبراهيم
)) ( مت 3 : 9 ) .
فمن هنا أتكلم معكم، فى هذه الليلة المقدسة :
عن القدرة الإلهية ، تجاه البشرية .
وذلك من خلال جانبين وهما :
v صفات القدرة الإلهية .
v دور القدرة الإلهية تجاه
البشرية .
ولنبدأ موضوعنا بالجانب الأول وهو
:
أولاً- صفات القدرة الإلهية :
تتصف القدرة الإلهية ، بصفات كثيرة جداً وعظيمة
, وأهمها هى :
1 – أنها قدرة أزلية أبدية :
لأنها مرتبطة بوجود الله الأزلى الأبدى ،
الموجود بذاته منذ الأزل ، اى قبل كل الدهور ، وأيضاً الحى بذاته ، الدائم
إلى أبد الآبدين .
فهى قدرة أزلية أبدية ، ويتضح ذلك كتابياً من
شهادة معلمنا بولس الرسول ، فى رسالته لأهل رومية : (( لأن أمور الله غير
المنظورة ، ترى منذ خلق العالم ، مدركة بالمصنوعات ، قدرته السرمدية
ولاهوته ، حتى أنهم بلا عذر )) ( رو 1 : 20 ) .
وفى موضع آخر يكمل الكتاب فى سياق هذا الحديث ,
قائلاً عن الله وقدرته وأبديته : (( إلهاً قديراً ، أباً أبدياً ، رئيس
السلام )) ( أش 9 : 6 ) .
فقدرة الله إذن ، هى قدرة أزلية أبدية . أى منذ
الأزل وإلى الأبد ، الله يتصف بالقدرة .
ومن هذا المنطلق ، هى :
2 – قدرة ثابتة دائمة إلى الأبد .
وتتضح هذه الصفة من قوله ، فى سفر الرؤيا : ((
انا هو الأف والياء ، البداية والنهاية ، يقول الرب الكائن ، والذى يأتى ،
القادر على كل شئ )) ( رؤ 1 : 8 ) .
وأكد معلمنا يهوذا الرسول فى رسالته ، على صفة
قدرة الله هذه بقوله : (( له المجد والعظمة ، والقدرة والسلطان ، الآن وإلى
كل الدهور آمين )) ( يه 25 ) .
ولم يكتف الكتاب بأن يعلمنا فقط عن قدرة الله ،
أنها ثابتة دائمة إلى الأبد ، بل أيضاً علمنا بأنها :
3 – قدرة ذاتية غير مكتسبة من أحد .
(( لك ذراع القدرة ، قوية يدك ، مرتفعة يمينك
)) ( مز 89 : 13 ) .
ويستمر النبى فى تأكيده ، على ان قدرة الله ،
هى صفة ذاتية من صفاته ، غير مكتسبة أو مستمدة من أحد : (( الرب قد ملك ،
لبس الجلال ، لبس الرب القدرة ، إئتزر بها ، أيضاً تثبتت المسكونة لاتتزعزع
)) (مز 93 : 1 ).
هناك صفة اخرى من صفات قدرة الله ، وهى تتصف
بأنها :
4 – قدرة عظيمة فائقة الوصف .
فمن هنا قال النبى : (( الرب ... عظيم القدرة
... ينتهر البحر فينشفه ، ويجفف جميع الأنهار ... الجبال ترتجف منه ،
والتلال تذوب ، والأرض ترفع من وجهه , والعالم وكل الساكنين فيه )) ( نا 1
: 3 – 5 ) .
فقدرة الله عظيمة ، وتأثيرها واضح على كل
الجوانب السابق ذكرها .
وبالرغم من ذلك ، تظل قدرة الله فائقة الوصف
بالنسبة لنا ، لأنها مرتبطة بالله فائق الوصف . وإليك ما قاله القديس بولس
عن هذه الصفة : (( مستنيرة عيون أذهانكم ، لتعلموا ما هى عظمة قدرته ،
الفائقة نحونا ، نحن المؤمنين ، حسب عمل شدة قوته )) ( أف 1 : 18 – 19 ) .
وبالتالى ما دامت قدرة الله فائقة الوصف فهى :
5 – لا يستحيل أمامها أى شيئ .
وشهد لذلك يعقوب أب الآباء : (( الله القادرعلى
كل شيئ )) ( تك 48 : 3 ) .
وأيوب الصديق ، بعد انتهاء تجربته ، قال قوله
المشهور لله : (( قد علمت أنك تستطيع كل شيئ ، ولا يعسر عليك أمر )) ( أى
42 : 2 ) .
ومن منطلق أن قدرة الله ، لا يستحيل أمامها أى
شيئ ، قال المسيح له المجد : (( غير المستطاع عند الناس ، مستطاع عند الله
)) ( لو 18 : 27 ) .
نظير هذه الصفة وغيرها ، تتصف القدرة الإلهية :
6 – بالهيبة والتقدير .
لدى الملائكة والشياطين والبشر . لذلك رنم موسى
النبى وبنو إسرائيل للرب ، بعد شق البحر الأحمر وعبور الشعب ، وغرق فرعون
وكل جيشه قائلين : (( يمينك يا رب معتزة بالقدرة ، يمينك يا رب تحطم العدو
)) (خر15 : 6 ) .
أخيراً وليس بآخر :
7 – هناك علاقة بين الصفات الإلهية .
فنجد صفة القدرة الإلهية ، مرتبطة ببقية الصفات
الإلهية الأخرى .
فلا يمكن أن صفة تلغى الأخرى ، أو يتعارض أو
يتناقض ,عمل صفة مع عمل الصفة الأخرى .
وهذا يرجع للوحدانية الإلهية غير المحدودة ،
التى تتصف بكل هذه الصفات ، والمسئولة عنها وعن علاقتها بعضها ببعض .
وإليك بعض أمثلة الصفات الإلهية , وعلاقة بعضها
ببعض , من جهة الوجود والعمل معاً .
فمن بين هذه الصفات الإلهية وعملها معاً، صفات
الحكمة والقدرة المشورة والفطنة: (( عنده الحكمة والقدرة ، له المشورة
والفطنة . هوذا يهدم فلا يُبْنـَى ، يغلق على إنسان فلا يُفـْتَح ، يمنع
المياه فتيبس ، يطلقها فتقلب الأرض . عنده العز والفهم ... )) ( أى 12 : 13
– 16 ) .
ومع ذلك أشار القديس يهوذا الرسول فى رسالته ,
إلى علاقة صفة القدرة الإلهية مع بقية الصفات فقال : (( له المجد
والعظمة والقدرة والسلطان ، الآن وإلى كل الدهور آمين )) ( يه 25 ) .
بالإضافة إلى ذلك ، هناك ادلة كتابية كثيرة ،
تشير إلى العلاقة بين الصفات الإلهية واشتراكها فى العمل معاً
ثانياً : دور القدرة الإلهية تجاه البشرية :
هناك جوانب عديدة قامت وتقوم بها القدرة
الإلهية ، تجاه البشرية ، وفى مقدمتها :
1 – خلق الإنسان ومنحه الروح الإنسانية .
من المعروف عن خلق الإنسان ، أن الله خلقه من
العدم ، وجمع فى تكوينه بين الجسد من التراب والروح من السماء . ويتضح لنا
هذا الجانب ، فى خلق أبوينا الأولين آدم وحواء فيقول : (( وجبل الرب الإله
آدم تراباً من الأرض ، ونفخ فى انفه نسمة حياة ، فصار آدم نفساً حية )) (
تك 1 : 7 ) .
وفى موضع آخر يقول النبى ، عن قدرة الله فى خلق
الإنسان : (( روح العلى صنعنى , ونسمة القدير أحيتنى ))
وفى خلق الله للإنسان ، ميزة عن بقية المخلوقات
، بأنه أعطاه الروح الإنسانية ، أما عن بقية المخلوقات الأرضية ، هى عبارة
عن أجساد وأنفس فقط ، بدون أرواح .
لذلك قال النبى : (( فى الناس روحاً , ونسمة
القدير تعقلهم )) (أى 32 : 8 ) .
ولم يكتف السيد الرب ، بهذه الميزة للإنسان ,
بل ميزه عن بقية مخلوقاته ، بأنه أعطاه العقل والتعقل والحرية.
ومع ذلك أعطاه امكانيات هائلة فى تكوينه ، لما
خلقه ، بها جعله سيداً على كل الخليقة الأرضية ، وهذه ميزة أخرى .
فخلق الله للإنسان بهذه الصورة المشرفة ،
والامكانيات التى أعطاها له فى تكوينه ، تشير إلى دور القدرة الإلهية تجاه
البشرية .
لكن هناك أهداف كثيرة من خلق الله للإنسان ،
ومن بينها :
نعمة الوجود والحياة ، نعمة الحرية والإرادة ،
نعمة الإيمان السليم .
وهناك أهداف أخرى من خلق الإنسان ، هى العمل
الصالح ، وأن يكون له نصيب فى قيامة الأبرار ، للميراث الأبدى , والخلود فى
ملكوت السموات مع الله وقديسيه .
لكن هناك جانب إلهى هام جداً ، وضعه الله وقت
ان خلق الإنسان وبقية المخلوقات وهو :
2 – استمرارية الخليقة وحفظها فى الوجود .
إلى اواخر الزمان ، وحتى أن تحدث القيامة
العامة ، والمجازاة الإلهية لكل البشر ، والميراث الأبدى , فى الملكوت أو
النار الأبدية .
وإثباتاً لذلك ، ما جاء فى سفر الرؤيا عن هذا
الجانب : (( انت مستحق أيها الرب ، ان تأخذ المجد والكرامة والقدرة ، لأنك
خلقت كل الأشياء ، وهى بإرادتك كائنة وخلقت )) ( رؤ 4 : 11 ) .
وهذا الجانب يشير إلى القدرة الإلهية ، ودورها
فى استمرارية الإنسان وبقية الخليقة فى الوجود ، والعمل على حفظها , من
كافة الشرور والمخاطر التى تحيط بها .
ونظراً لوجود الشيطان وأعوانه الأشرار , منذ
بدء البشرية .
3 – أوصى الرب قائلاً : لا تقتل .
وهذه الوصية وردت فى مواضع عديدة من الكتاب ،
وفى مقدمتها وردت فى لوحى الشريعة ، أى فى الجانب الخاص بالتعامل بين البشر
: (( لا تقتل )) ( خر 20 : 13 ) ، ( مت 19 : 18 ) .
وهناك حكمة إلهية ، من وجود تشريع , يمنع القتل
بكل أنواعه بين البشر .
والحكمة ترجع إلى :
أ – أن القتل فيه تعدى على الله ، الذى خلق
الإنسان ، وأعطاه نعمة الوجود .
ب – وفيه تعدى على الوجود الإنسانى بصفة عامة ،
وتعدى على الإنسان الذى قتل , وعلى اسرته وعائلته بصفة خاصة .
ج – ومن خطورة قتل الإنسان ، أنه ينهى حياته
على الأرض بدون رجعة ، ويتعدى على حريته وإرادته ، بأبشع صور التعدى والأذى
.
د – وفى القتل تعدى على الشرائع الإلهية ، التى
نهت عنه . وكذلك فى القتل تعدى على الشرائع والقوانين الوضعية ، التى
وضعتها الدول ، والمؤسسات الحقوقية ، والمحافل الدولية .
فلأجل كل هذه الجوانب وغيرها من الأضرار ، أمر
الله بقتل من يقتل ، ولكن بواسطة القانون والقائمين عليه ، لا بواسطة أهل
القتيل : (( سافك دم الإنسان , بالإنسان يسفك دمه . لأن الله على صورته ,
عمل الإنسان )) ( تك 9 : 6 ) .
لذلك علمنا الكتاب والكنيسة ، فى هذه الظروف
وأمثالها ، أن نلجأ إلى جهات الاختصاص للمطالبة بالحقوق .
والأخطر من العقوبة الأرضية على القاتل ، هى
العقوبة الإلهية بالهلاك فى النار الأبدية إن لم يتب : (( أعمال الجسد
ظاهرة التى هى زنى ، عهارة نجاسة دعارة . عبادة الأوثان سحر ، عداوة خصام ،
غيرة سخط ، تحزب شقاق بدعة . حسد قتل ، سُكْر بَطـَر ، وأمثال هذه التى
أسبق فأقول لكم عنها ، كما سبقت فقلت أيضاً ، أن الذين يفعلون مثل هذه , لا
يرثون ملكوت السموات )) ( غل 5 : 19 – 21 )، ( 1 كو 6 : 9 – 10 )،
( أف 5 : 5 ) ، ( رؤ 22 : 15 ) .
ومن هنا يا أخوتى , الله يطالب على الأرض وفى
يوم الدينونة ، بكل دم زكى سفك على الأرض ، ويسأل عن الأسباب التى قتلت من
أجلها كل نفس ، وعلى النتائج التى ترتبت من قتلها ، وعن الحكم الذى صدر بحق
المقتول والقاتل ، إن كان بحق وعدل أم لا .
ومن هنا قال المسيح له المجد : (( يأتى عليكم ،
كل دم زكى سفك على الأرض , من دم هابيل الصديق إلى دم ... إلخ )) (مت
23 : 35 ) .
فلنحترص يا إخوتى من كل هذه الجوانب ، لئلا
نشترك بأية صورة من الصور ، فى جرائم القتل ، ويطالبنا الله بالدماء
وحقوقها ، دون أن نقتل . فمن هنا طلب داود النبى من الله قائلاً : (( نجنى
من الدماء يا الله ، إله خلاصى )) ( مز 51 : 14 ) .
ويجب أن نعلم معلومة هامة ، خاصة بالقتل ، وهى
أن الذى يُقتـَل فى الإنسان , وقت قتله , هو جسده فقط ، لا نفسه .
4 – لأنه لا سلطان على النفس البشرية ، إلا لله
وحده .
وهذا واضح من قول الكتاب : (( يرجع التراب إلى
الأرض كما كان ، وترجع الروح إلى الله الذى أعطاها ))
وقال أيضاً المسيح فى تعاليمه لنا: (( لا
تخافوا من الذين يقتلون الجسد , ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها . بل
خافوا بالحرى من الذى يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما , فى جهنم )) ( مت
10 : 28 ) .
إذاً لا سلطان لأحد من الخليقة كلها ، على نفس
الإنسان إلا لله وحده .
وبالرغم من أن جسد الإنسان هو الذى يموت ,
ويذهب إلى التراب , وروحه ترجع إلى الله . إلا أن كل منهما لا يدخل الفناء
، بل يستمر إلى الأبد ، حتى ولو كان الذى مات , لا يعرف الله اطلاقاً .
وهذا الجانب يكشف لنا قدرة الله , على حفظ روح
الإنسان وجسده , إلى يوم القيامة .
وفى يوم القيامة العامة :
5 – تقوم الأجساد وتتحد بالأرواح .
وهذا هو إيماننا ، بأن الموت هو انتقال : ((
ليس موت لعبيدك , بل هو انتقال )) .
وفى كل مرة نصلى على إنسان انتقل , من عالمنا
الفانى إلى العالم الآخر ، نتذكر قول المسيح المعزى:
(( تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين فى القبور صوته , فيخرج الذين فعلوا
الصالحات إلى قيامة الحياة ، والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة )) (
يو 5 : 28 – 29 ) .
فقيامة الأجساد من الموت واتحاد الأرواح بها
كما كانت من قبل ، فى سرعة فائقة ودقة متناهية ، خير شاهد ودليل على قدرة
الله تجاه البشرية , من جهة القيامة العامة ، الخاص بها .
ثم الدينونة الإلهية بعد ذلك لكل البشر ،
والحكم بالمصير الأبدى على كل إنسان ، بالخلاص أو بالهلاك ، هذا يعزينا
ويطمئنا على مصائرنا الأبدية ، لأنها فى يد الله ، العادل الذى يحكم بالحق
دون محابة .
نكتفى بهذا القدر ، وللموضوع بقية إن شاء الرب
وعشنا .
وكل عام وأنتم بخير
تحريراً فى
18
/ 1 / 2010م نعمـة الله
الأنبـا أغاثــون
أسقـف كرسى مغـاغـه والعـِدوه
|